الشيخ محمد حسين الحائري

384

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

فهم المخاطب ليكون أوقع في نفسه لا الاستدلال به لأنه صلى الله عليه وآله لا يحكم إلا عن الوحي كما يدل عليه قوله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وتنزيله على إرادة تعليم المخاطب طريق الاستنباط أو تقريره عليه ليس بأولى من تنزيله على ما ذكرناه من إرادة التقريب أو النص على العلة المقتضية لعدم الافطار وحصول القضاء ليقاس عليه نظائره مما يشارك في العلة المنصوصة مع أن قوله صلى الله عليه وآله في الرواية الثانية فدين الله أحق بالقضاء يفيد الأولوية ولا نزاع في حجيته لكن يشكل بأن هذه الأولوية ظنية غير مستندة إلى اللفظ الذي نقول بحجيته هي الأولوية القطعية أو المستندة إلى اللفظ إلا أن يقال إنه صلى الله عليه وآله استدل بالأولوية الواقعية لا الأولوية عند السائل فلا إشكال وعلى أحد هذه الوجوه ينزل قول أمير المؤمنين عليه السلام أتوجبون عليه الرجم والجلد ولا توجبون عليه صاعا من ماء وأمثال ذلك مع أن تلك الأخبار مروية بطريق غير معتبر والمسألة إن لم يطالب فيها بالقطع لكونها أصولية فلا أقل من أن يطالب فيها بظن معتبر وهي غير مفيدة له مع معارضتها بأخبار أخر أوضح منها سندا ودلالة كما عرفت فصل اختلف أصحابنا في حجية القياس المنصوص العلة فالمعروف بينهم أنه حجة فيتعدى الحكم إلى موارد العلة وذهب بعضهم كالسيد المرتضى إلى المنع وقد وقع النزاع هنا في مقامين الأول أن التعليل بالعلة المضافة إلى الأصل كقولنا حرمت الخمر إسكارها هل يقتضي عدم مدخلية الإضافة في العلة كإضافة الاسكار إلى الخمر فيكون العلة هو الامر المطلق المتحقق في بقية موارده أو لا فيكون الثابت هو علية المقيد المقصور على الأصل كالاسكار المخصوص بالخمر والنزاع على هذا لفظي لغوي والثاني أنه إذا ثبت علية أمر لحكم في مورد من غير أن يكون لخصوص المورد مدخل فيه فهل يثبت علية له في سائر موارد ثبوته فيتعدى الحكم إليها أو لا بل يقتصر به على مورد الثبوت والنزاع على هذا عقلي معنوي ويظهر من العلامة اختصاص النزاع بالمقام الأول مشعرا بنفيه عن المقام الثاني لكن حكى في المعالم عن السيد مخالفته في المقام الثاني أيضا والعبارة التي حكاها عنه واستشهد بها غير ظاهرة في ذلك كما سننبه عليه وكيف كان فالمختار في المقام الأول ظهور اللفظ في علية المطلق وفي المقام الثاني لزوم تحقق الحكم في موارد تحقق العلة لنا على الأول قضاء العرف والاستعمال به فإن المفهوم من نحو حرمت الخمر لاسكارها أن العلة في التحريم هي الاسكار المطلق المتحقق فيها من غير أن يكون للخصوصية مدخل في ذلك وكذا الحال في نظائره ألا ترى أن قول الطبيب لا تأكل هذا الشئ لأنه حار أو يابس يدل عرفا على المنع من أكل كل حار أو يابس دون خصوص الشئ المذكور وقول النحوي زيد في ضرب زيد مرفوع لأنه فاعل يدل على رفع كل فاعل دون خصوص لفظ زيد إلى غير ذلك حجة الخصم أن إضافة الاسكار إلى ضمير الخمر تفيد التقييد بها وعلية المقيد لا تستلزم علية المطلق وأيضا الاسكار اسم معنى وإضافته تفيد الاختصاص على ما سبق التنبيه عليه في أوائل الكتاب فيكون مفاد التعليل علية الاسكار المختص بالخمر فلا يتعدى إلى إسكار غيرها والجواب أنه لا كلام في أن علة تحريم الخمر الاسكار المقيد بها أو المختص بها بمعنى عدم مشاركة إسكار غير الخمر في حصوله فيها وإنما الكلام في أن عليته هل هي من حيث كونه إسكارا مطلقا أو إسكارا مقيدا أو مختصا وقد عرفت أن المتبادر منه عرفا هو الأول فيجب التعويل عليه وإن كان قضية الجمود على ظاهر التركيب هو الثاني أو التوقف بينه وبين الأول ولنا على المقام الثاني أنه إذا ثبت علية أمر لحكم علية تامة وجب ثبوته في جميع موارده إذ لو انفك عنه لكان إما من جهة اشتراطه بأمر غير حاصل كعدم حصوله في ذلك المورد أو عدم حصول أمر آخر فيه فيلزم عدم تمامية العلة وقد فرضناها تامة أولا فيلزم تخلف المعلول عن علته التامة وكلاهما متضح الاستحالة احتج السيد رحمه الله بأن علل الشرع إنما تنبئ عن الدواعي إلى الفعل أو عن وجه المصلحة فيه وقد يشترك الشيئان في صفة واحدة ويكون في أحدهما داعية إلى فعله دون الاخر مع ثبوتها فيه وقد تكون مثل المصلحة مفسدة وقد يدعوا الشئ إلى غيره في حال دون حال وعلى وجه دون وجه وقدر منه دون قدر قال وهذا باب في الدواعي معروف ولهذا جاز أن يعطى لوجه الاحسان فقير دون فقير ودرهم دون درهم وفي حال دون أخرى وإن كان فيما لم نفعله الوجه الذي لأجله فعلنا بعينه ثم قال إذا صحت هذه الجملة لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي والقياس وجري النص على العلة مجرى النص على الحكم في قصره على موضعه وليس لاحد أن يقول إذا لم يوجب بالنص على العلة التخطي كان عبثا وذلك أنه يفيدنا ما لم تكن نعلمه لولاه وهو ما له كان هذا الفعل المعين مصلحة هذا كلامه على ما حكاه في المعالم ودلالته على المخالفة في المقام الثاني غير واضحة إذ محصل كلامه أن تأثير الشئ مما يختلف باختلاف المحال والمواد فقد يؤثر الشئ في محل دون آخر في مادة دون أخرى وهذا صالح للتنزيل على المنع في المقام الأول بحمله على المنع من استلزام علية العلة للحكم في موارد عليتها له في سائر الموارد سواء حمل العلة في كلامه على العلة التامة كما هو الظاهر من إطلاقها بل في بيانه ما ينبه عليه أو العلة الناقصة أو الأعم منها ومن التامة فتعتبر العلية على الأول بالنسبة إلى الامر المقيد بالمورد الخاص ولا ريب أن عليتها مع انضمام الخصوصية تامة وتعتبر على الأخيرين بالنسبة إلى الامر المطلق وعلى المنع في المقام الثاني بحمله على المنع من استلزام علية العلة للحكم في مورد عليتها له في